لماذا نفشل في الاستمرار بالتمارين… رغم أننا نعرف أنها مفيدة لصحتنا؟

لماذا نفشل في الاستمرار بالتمارين… رغم أننا نعرف أنها مفيدة لصحتنا؟

لياقة و راحة

حماس الأسبوع الأول… ثم اختفاء كامل

تخيل بداية عام جديد، أو بعد زيارة للطبيب، أو تعليق عابر من صديق عن زيادة وزنك.
في تلك الليلة تفتح هاتفك بحماس، تشترك في نادٍ رياضي، وتشتري حذاء رياضيًا جديدًا، وربما تتابع حسابات للياقة على منصات التواصل، وتشعر أن حياتك ستتغيّر من الغد.
تذهب في الأيام الأولى إلى الجيم أو حديقة الحي، تتعب بسرعة، تتنفس بصعوبة، لكنك تقنع نفسك أن هذا هو ثمن التغيير.
بعد أسبوعين يبدأ العمل في الضغط، أو يسهر الأولاد لوقت متأخر، أو تشعر بألم في الركبة أو الظهر كما توضح مدونة صحي1 ، أو لا ترى أي تغير في المرآة، فيتسلل سؤال خفي: “هل كل هذا الجهد له معنى أصلًا؟”.

لماذا نفشل في الاستمرار بالتمارين… رغم أننا نعرف أنها مفيدة لصحتنا؟
لماذا نفشل في الاستمرار بالتمارين… رغم أننا نعرف أنها مفيدة لصحتنا؟

الإحصاءات العالمية تشير إلى أن نسبة كبيرة من المسجلين في الأندية الرياضية يتوقفون عن الذهاب خلال الأشهر الأولى، وأن كثيرًا من البالغين لا يصلون لمستويات النشاط البدني الموصى بها رغم معرفتهم بفوائده الصحية الجسدية والنفسية.

هذه المفارقة بين قناعة العقل وفعل الجسد هي جوهر سؤالنا: لماذا نفشل في الاستمرار في التمارين رغم معرفتنا أن الالتزام بالرياضة مفيد لصحتنا، وكيف يمكن تحويل الرياضة من “حملة مؤقتة” إلى عادة راسخة، هادئة، ومتسقة مع إيقاع حياتنا؟

في هذا المقال لن نبيع وعودًا سحرية، بل سنقترب من الواقع: ضغوط العمل، التزامات الأسرة، ضعف الدافعية، الملل، الألم، وعدم وضوح الهدف.
سنفكك هذه العوامل نفسيًا وسلوكيًا، ثم نبني خطة عملية يمكن لأي شخص عربي مشغول أن يطبقها، مع مراعاة القيم الإسلامية، وبدون مبالغة أو تطرف في التوقعات.

أ/ عندما تصطدم النوايا الطيبة بواقع اليوم المزدحم

أحد أهم أسباب فشل عادة الرياضة هو الفجوة بين النية وبين تصميم الحياة اليومية.
الإنسان قد يكون مقتنعًا تمامًا بأهمية التمرين، ومع ذلك لا يمارسه، لأن يومه ممتلئ سلفًا بالتزامات لا تترك مساحة حقيقية للحركة.

تظهر تقارير من مؤسسات صحية أن كثيرًا من الناس يذكرون “ضيق الوقت” كأحد أبرز أسباب ترك التمارين أو الجيم، مع الإشارة إلى ضغوط العمل، الالتزامات العائلية، والتعب النفسي بعد يوم طويل.
إضافة إلى ذلك، تشير إحصاءات من منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة ملحوظة من البالغين حول العالم لا تصل إلى مستويات النشاط البدني الموصى بها، رغم توافر المعلومات عن فوائد الحركة المنتظمة للقلب والدماغ والمزاج.

في العالم العربي، صورة اليوم العادي للموظف أو ربة المنزل تكاد تتكرر: استيقاظ متأخر قليلًا بسبب السهر، انتقال طويل أو مرهق إلى العمل، جلوس لساعات أمام الحاسوب، عودة مزدحمة بالزحام المروري أو واجبات المنزل، ثم رغبة طبيعية في الراحة أمام الهاتف.
في هذا السياق، يصبح الذهاب لنادٍ رياضي على الطرف الآخر من المدينة مشروعًا مُكلفًا، من حيث الوقت والطاقة والمال، وليس مجرد قرار بسيط.

هنا تظهر مشكلة شائعة: ربط الالتزام بالرياضة بصورة مثالية؛ حصة طويلة، مكان معين، ملابس خاصة، أجهزة، ومدرب، بدلًا من تبني مفهوم “الحركة اليومية البسيطة”.
عندما تصبح الرياضة مساوية في ذهنك لـ”ساعة كاملة في الجيم”، سيخنقها واقع اليوم المزدحم، بينما لو اعتبرتها “10–20 دقيقة من الحركة الذكية”، يصبح إدراجها في اليوم أكثر واقعية.

ب/ النفس البشرية… بين كره المجهود وحب النتائج السريعة

من منظور سلوكي، المشكلة ليست فقط في قلة الوقت، بل في طريقة تفاعل النفس مع الجهد والألم والنتائج المؤجلة.
التمارين، خاصة في بدايتها، تحمل تعبًا جسديًا، تسارعًا في التنفس، آلامًا عضلية، و”غرابة” في الإحساس بالنسبة لمن لم يعتد الحركة منذ سنوات.

دراسات في علم السلوك تشير إلى أن الإنسان يميل لتجنب الجهد غير الضروري، خصوصًا عندما تكون مكافأته مؤجلة، مثل تحسين الصحة على المدى البعيد أو تقليل مخاطر الأمراض المزمنة مستقبلاً.
في المقابل، ينجذب العقل إلى المكافآت الفورية: الراحة على الأريكة، تصفح الهاتف، أو أي نشاط لا يتطلب جهدًا كبيرًا في اللحظة الحالية.

اقرأ ايضا: لماذا تفشل تمارينك دون نوم كافٍ… وما الذي يحدث لعضلاتك أثناء النوم؟

هنا يتكون صراع داخلي:
العقل يقول: “التمرين مفيد، يجب أن أمارس الاستمرار في التمارين”.
الجسد يقول: “أنا متعب الآن، دعنا نؤجل الأمر لغد”.
ومع كل تأجيل، تتكرس عادة الجلوس، ويصير الخروج منها أصعب.

كما أن كثيرين يدخلون عالم الرياضة بحماس مبالغ فيه؛ يبدؤون بتمارين قاسية لا تناسب حالتهم الصحية ولا مستواهم البدني، فيخرجون من الجلسة الأولى أو الثانية مع شعور شديد بعدم الراحة، وربما ألم أو إصابة بسيطة.
هذه التجربة السلبية الأولى تترسخ في الذاكرة، فيصبح العقل يربط كلمة “رياضة” بالتعب، الألم، وربما الإحراج أمام الآخرين إن شعر الشخص أنه غير لائق بدنيًا.

أضف إلى ذلك عامل المقارنة الاجتماعية؛ عندما يرى شخصٌ ما أجسادًا رياضية منمقة على وسائل التواصل، قد يشعر أن المسافة بين واقعه وتلك الصورة بعيدة لدرجة الإحباط.
عندها يتحول التمرين من وسيلة لتحسين الذات إلى تذكير دائم بالنقص، فيبدأ في مقاومته لا شعوريًا، أو يعتبره مشروعًا محكومًا بالفشل مسبقًا.

ج/ خطأ الهدف: من “أريد جسدًا مثالياً” إلى “أريد حياة أكثر راحة

من الأسباب العميقة لفشل الاستمرار في التمارين أن الهدف نفسه موضوع بطريقة خاطئة، أو غير منسجمة مع قيم الشخص وواقعه.
كثيرون يربطون عادة الرياضة بهدف تجميلي بحت: الحصول على جسم مثالي، أو وزن محدد، أو مظهر معين للعضلات، وغالبًا في مدة زمنية قصيرة وغير واقعية.

لكن الأبحاث الصحية تشير إلى أن الفوائد الكبيرة للنشاط البدني تظهر حتى مع مستويات متوسطة من الحركة، سواء في تقليل مخاطر أمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان، أو تحسين المزاج والنوم والطاقة اليومية.
بمعنى آخر، لا تحتاج إلى أن تصبح رياضيًا محترفًا حتى تجني ثمرة الالتزام بالرياضة؛ فمجرد المشي السريع المنتظم، أو تمارين بسيطة للجسم كاملًا، يمكن أن تقلل مخاطر صحية وتزيد جودة الحياة اليومية.

حين يكون هدفك “إنقاص 15 كيلو في ثلاثة أشهر” ثم لا يتحقق، فإن الشعور بالفشل يبتلع الحماس ويقتلك من الداخل.
أما عندما يكون هدفك “تحسين القدرة على الحركة، وتقليل آلام الظهر، وزيادة التركيز خلال العمل”، فإن أي تحسن بسيط في نومك أو طاقتك أو قدرتك على صعود الدرج دون تعب يصبح مكافأة مباشرة تشجعك على المواصلة.

هناك خطأ شائع آخر: تركيز على الأرقام فقط، مثل وزن الميزان أو عدد السعرات، مع إهمال المؤشرات الأكثر أهمية على المدى البعيد، كقوة العضلات، مرونة المفاصل، انتظام النوم، وصفاء المزاج.
المفارقة أن الوزن قد يتحرك ببطء، بينما تتحسن هذه المؤشرات قبل ذلك بوقت، لكن أغلب الناس لا يراقبونها فلا يشعرون بالإنجاز.

إعادة تعريف الهدف من “شكل الجسد” إلى “نوعية الحياة” يخلق علاقة أكثر صحية مع التمرين.
عندها يصبح المشي بعد صلاة العشاء وسيلة لتصفية الذهن، وليس مجرد وسيلة لخسارة الوزن، ويتحول صعود السلم بدل المصعد إلى اختيار واعٍ يحترم جسدك، لا إلى عبء ثقيل.

د/ من كل شيء أو لا شيء… إلى 10 دقائق فقط

نموذج “كل شيء أو لا شيء” من أكثر ما يفسد الاستمرار في التمارين.
فالشخص إما أن يلتزم ببرنامج قاسٍ، خمس مرات أسبوعيًا، ساعة كاملة، أو يترك الرياضة تمامًا بحجة أن “العشر دقائق لا تنفع”.

تقارير صحية حديثة تشير إلى أن النشاط البدني القصير المتكرر خلال اليوم، حتى لو كان على شكل فترات من 10 دقائق، يمكن أن يسهم في تحسين صحة القلب والأوعية الدموية وتقليل مؤشرات الخمول، خاصة لدى من كانوا غير نشطين تقريبًا.
هذا يعني أن المشي في ممرات العمل، أو صعود الدرج، أو أداء تمارين بسيطة في البيت، يمكن أن يشكل لبنة حقيقية في بناء عادة الرياضة، بدل انتظار “اليوم المثالي” الذي لن يأتي غالبًا.

في حياة عربية مزدحمة، يمكن إعادة تصميم اليوم على النحو التالي:
بداية اليوم بحركات إطالة خفيفة لخمسة دقائق بعد صلاة الفجر.
خلال العمل، استغلال كل ساعة في دقيقتين من الحركة: الوقوف، المشي القصير، أو تمارين بسيطة للكتفين والرقبة لمن يجلس طويلًا.
في المساء، 10–20 دقيقة من المشي السريع حول البيت، أو في ممرات المبنى، أو في حديقة قريبة.

النقطة الجوهرية هنا أن الالتزام بالرياضة لا يعني حتمًا الاشتراك في نادٍ أو شراء أجهزة، بل يعني “تقليل الجلوس وزيادة الحركة”، ولو بدرجات صغيرة لكنها منتظمة.
كلما ارتبطت الرياضة في ذهنك بفكرة “الجرعة الصغيرة اليومية” بدلاً من “المهمة الثقيلة الأسبوعية”، زادت احتمالات التزامك بها على المدى البعيد.

من المهم أيضًا ربط التمرين بعادة قائمة: بعد الصلاة، قبل وجبة معينة، أو بعد العودة من العمل.
هذا الربط يساعد العقل على تكوين مسار سلوكي تلقائي: “بعد الحدث (س)، أفعل التمرين (ص)”، مما يحول الفعل من قرار يومي مرهق إلى سلوك شبه تلقائي.

في منتصف هذه الرحلة، تأتي أهمية وجود مصدر تثقيفي عربي موثوق يقدّم محتوى واضحًا ومبسّطًا عن الاستمرار في التمارين، والتغذية المتوازنة، وإدارة الضغط النفسي، دون تهويل أو مبالغة أو محتوى مخالف للقيم.
هذا النوع من المحتوى يساعد القارئ على بناء علاقة طيبة مع جسده وحركته، بعيدًا عن ثقافة المقارنات والمؤثرين، وبالتركيز على تحسين نوعية الحياة خطوة بخطوة.

هـ/ البيئة المحيطة: إما أن تدعمك أو تسحبك للخلف

حتى لو كانت نيتك صادقة وخطتك معقولة، يمكن أن تُهزم بيئيًا إن لم تنتبه.
البيئة هنا تشمل البيت، مكان العمل، الأصدقاء، وحتى تصميم غرفتك ومساحتك الخاصة.

دراسات عن “الالتزام بالتمرين” في برامج مختلفة تشير إلى أن وجود دعم اجتماعي، أو رفقة تمارس الرياضة، أو متابعة من مدرب أو مرشد، يرفع احتمالات الاستمرار مقارنة بمن يحاول وحده دون أي إحاطة تشجيعية.
كما أظهرت بيانات من بعض الأندية أن جزءًا من ترك الجيم يرتبط بالشعور بعدم الارتياح في المكان، أو الإحراج من الأجساد المحيطة، أو الإحساس بأن الجو العام غير مناسب للشخص أو لقيمه.

في البيت، يكفي أحيانًا أن يكون حمل الأثقال البسيطة أو سجادة التمرين في متناول اليد، بدل تخزينها في مكان بعيد لا تراه إلا نادرًا.
في العمل، يمكن الاتفاق مع زميل أو زميلة لتذكير بعضكما بالخروج في “جولة مشي قصيرة” في فترات الاستراحة، بدل الجلوس الكامل طوال اليوم.

من زاوية القيم الإسلامية، يمكن استثمار روح الجماعة؛

 كالاتفاق مع أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء على برنامج مشي بعد صلاة معينة، أو في عطلة نهاية الأسبوع في أماكن مفتوحة تحترم الحشمة والخصوصية.
النية هنا لا تقتصر على “صحة الجسد”، بل تتسع لتشمل “الاستعانة بنعمة الجسد على العبادة والعمل وخدمة الأسرة”، فتكتسب الرياضة بعدًا معنويًا يثبتها في الوعي.

“أسئلة يطرحها القرّاء” تتكرر في هذا السياق:
هل أحتاج إلى اشتراك في نادٍ حتى ألتزم؟
الإجابة الواقعية: لا يلزم، كثير من الناس ينجحون في بناء عادة الرياضة عبر المشي وتمارين وزن الجسم في المنزل أو في الأماكن المفتوحة، بشرط الوضوح والانتظام.
هل يلزم أن أتمرن كل يوم؟
الجواب: المهم هو أن تقلل فترات الجلوس الطويلة، وأن تخصص أيامًا للحركة المقصودة، حتى لو كانت ثلاثة أيام أسبوعيًا، مع إدخال الحركة الخفيفة في بقية الأيام.
وماذا إن توقفت أسبوعًا كاملًا بسبب سفر أو مرض؟
القاعدة الذهبية: “لا تجعل التعثر القصير يتحول إلى انسحاب دائم”، عد بخطوة صغيرة فور استقرار الظروف، ولو بمشي خفيف.

و/ الملل، الألم، وعدم رؤية التقدم: ثلاثية قتل الحماس

من الأسباب الرئيسية لترك الجيم أو التمارين المنزلية الشعور بالملل من تكرار نفس الروتين.
الإنسان بطبيعته يحتاج إلى قدر من التنوع والإثارة، وعندما يتحول التمرين إلى نسخة مكررة من الأيام السابقة دون تغيير، يبدأ العقل في البحث عن مبررات للهروب.

كما أن الألم العضلي، خاصة في البدايات، إذا لم يُفهم على أنه جزء طبيعي (ضمن حدود معقولة) من التكيف، قد يُفسَّر على أنه “إشارة خطر”، فيتراجع الشخص خوفًا أو كرهًا للتجربة.
في حالات أخرى يكون الألم فعلًا مؤشرًا لتمرين خاطئ أو مستوى مجهود لا يناسب الحالة الصحية، وهنا تظهر أهمية البدء التدريجي والاستشارة الطبية عند وجود أمراض مزمنة أو آلام سابقة.

عدم رؤية التقدم مشكلة أخرى؛ فالكثيرون يتوقعون نتائج سريعة جدًّا، وعندما لا ينخفض الوزن في الميزان بالشكل المنتظر خلال أسابيع قليلة، يشعرون أن “كل هذا بلا جدوى”.
مع أن التغيرات الصحية الأعمق، مثل تحسين وظائف القلب والرئتين، وتقليل مخاطر بعض الأمراض المزمنة، تبدأ بالتكوّن حتى قبل أن يظهر فرق كبير في الشكل الخارجي.

للتغلب على هذه الثلاثية القاتلة (ملل، ألم، بطء التقدم)، يمكن:
تغيير نوع التمارين بشكل دوري؛ يوم للمشي، يوم لتمارين بسيطة للقوة، يوم لحركات مرونة وإطالة، ضمن ما يناسب القيم والظروف.
تسجيل مؤشرات بسيطة غير الوزن: مدة المشي دون تعب، عدد خطوات اليوم، عدد مرات صعود الدرج، جودة النوم.
التفرقة بين ألم التكيف الطبيعي (الإحساس بإرهاق معقول في العضلات) وبين الألم الحاد أو المستمر الذي يستدعي تخفيف الحمل أو مراجعة مختص.

كما أن جعل التمرين ممتعًا قدر الإمكان يساعد على رفع احتمالات الاستمرار؛ فالدراسات تشير إلى أن الأشخاص الذين يشعرون بالمتعة أثناء التمرين يميلون إلى الالتزام به أكثر على المدى البعيد مقارنة بمن يرونه واجبًا ثقيلًا فقط.
المتعة هنا يمكن أن تأتي من المكان، من الصحبة، من شعور الإنجاز، أو حتى من لحظات الهدوء الذهني التي يوفرها المشي المنفرد في الهواء الطلق.

ز/ خطة عملية لبناء عادة رياضة تناسب حياتك وقيمك

بعد فهم الأسباب النفسية والعملية لفشل الاستمرار في التمارين، نصل إلى السؤال الأهم: ماذا أفعل اليوم، بشكل واقعي، لأبني عادة الرياضة دون مبالغة؟

الخطوة الأولى: الوضوح الواقعي.
اسأل نفسك بصدق: ما مقدار الوقت الذي يمكن تخصيصه أسبوعيًا للحركة، دون كسر التزاماتك الأسرية والعملية؟
ربما يكون الجواب: 3 مرات في الأسبوع لمدة 20 دقيقة، مع زيادة بسيطة للحركة اليومية (السلالم، المشي في الممرات، إطالات قصيرة).
هذا، في حد ذاته، بداية محترمة، أفضل بكثير من الانتظار لوضع مثالي لن يأتي.

الخطوة الثانية: اختيار نوع التمرين المناسب.
لست مضطرًا لتقليد الآخرين؛ اختر ما يناسب جسدك، سنك، وبيئتك، ويحترم القيم الإسلامية (من حيث أماكن الممارسة، واللباس، والخصوصية).
كثيرون يجدون في المشي السريع، وتمارين وزن الجسم البسيطة، والأنشطة الأسرية المشتركة (مثل الخروج إلى الهواء الطلق) أدوات عملية لبناء الالتزام بالرياضة دون أن يضطروا لدخول بيئات لا تناسبهم.

الخطوة الثالثة: ربط الرياضة بهدف معنوي وقيمي.
انظر إليها كوسيلة لحفظ نعمة الجسد، وتقوية القدرة على العمل، والإنفاق، ورعاية الأسرة، والقيام بالعبادات براحة أكبر، لا كوسيلة شكلية فقط.
عندما يرتبط التمرين في داخلك بالمسؤولية تجاه نفسك وأهلك وربك، يكتسب وزنًا معنويًا يثبت قراراتك في moments الضعف.

الخطوة الرابعة: البدء الصغير والتدرج الهادئ.
ابدأ بما لا يرهقك نفسيًا؛ عشرة دقائق مشي بعد وجبة معيّنة، أو قبل النوم، ثم زد المدة أو الشدة تدريجيًا.
نجاحك في الالتزام الصغير أهم بكثير من فشلك في الالتزام الكبير؛ لأن النجاح المتكرر، ولو كان بسيطًا، يبني هويتك الجديدة كـ“شخص نشيط”، وهذه الهوية هي أقوى ضمانة للاستمرار.

الخطوة الخامسة: توقع التعثر… والاستعداد له.
السفر، المرض، فترات الضغط في العمل، كلها ظروف متوقعة.
بدل أن تعتبرها “نهاية الرحلة”، انظر إليها كاستراحة قصيرة، وخطط مسبقًا لعودتك عبر خطوة صغيرة في أول يوم هدوء، مثل مشي 5–10 دقائق لاستعادة الإيقاع.
وجود، ولو صديق واحد، تعرف أنه سيسألك عن تقدمك في عادة الرياضة، يساعد كثيرًا في تجاوز فترات الفتور.

في النهاية، ليست البطولة في أن تبدأ برنامجًا خارقًا، بل في أن تبني مسارًا هادئًا، منطقيًا، يناسب جسدك وعمرك وقيمك، وتستمر عليه سنوات.
هكذا تتحول الرياضة من مشروع موسمي إلى جزء من أسلوب حياة متوازن يحترم إنسانيتك قبل شكل جسدك.

ح/ وفي الختام:

 خطوة اليوم أهم من خطة السنة

حين ننظر إلى قصص الفشل في الاستمرار في التمارين، نجد أن جذورها ليست في الكسل فقط، بل في أهداف غير واقعية، وضغط بيئي، وصور مثالية، وتجاهل لتقلبات الحياة.
وحين ننظر إلى قصص النجاح المتوازن، نجد شيئًا مختلفًا تمامًا: بداية بسيطة، رؤية طويلة المدى، واحترام لحدود الجسد والوقت والقيم.

إن بناء عادة الرياضة ليس قرارًا لحظيًا في ليلة حماسية، بل هو اختيار متكرر كل يوم، ولو في تفاصيل صغيرة: صعود درج بدل مصعد، مشي قصير بدل جلوس، إطالة سريعة بدل تصفح عابر للهاتف.
وكل اختيار صغير من هذه الاختيارات يرسم، مع الوقت، ملامح صحة أفضل، ونفس أهدأ، وجسد أكثر قدرة على حملك في طريقك العملي والروحي.

ابدأ اليوم بخطوة واقعية واحدة فقط؛

 ربما 10 دقائق من المشي، أو سلسلة حركات بسيطة في البيت.
اكتب هدفك القريب: “أريد أن أعيش بجسد أقوى يخدمني في ديني ودنياي”، وضعه في مكان تراه كل يوم، واسمح لنفسك أن تخطئ ثم تعود، ما دمت ترفض الاستسلام الكامل.
بهذا الهدوء، وبهذه العقلية، يصبح التمرين رفيقًا للحياة، لا مشروعًا فاشلًا جديدًا يُضاف إلى قائمة الوعود المؤجلة.

اقرأ ايضا: 5 دقائق يوميًا فقط… هل يمكن أن تقوي ظهرك وتحمي عظامك فعلًا؟

هل لديك استفسار أو رأي؟

يسعدنا دائمًا تواصلك معنا! إذا كانت لديك أسئلة أو ملاحظات، يمكنك التواصل معنا عبر صفحة [اتصل بنا] أو من خلال بريدنا الإلكتروني، وسنحرص على الرد عليك في أقرب فرصة ممكنة .

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال