حين تتجاهل مشاعرك… لماذا ينقلب التوتر ضدك؟

حين تتجاهل مشاعرك… لماذا ينقلب التوتر ضدك؟

صحتك النفسية أولًا

هل تساءلت يوماً، وأنت تراقب مشهد الأعمال والنجاح، لماذا ينهار فجأة أقوى المدراء وألمع رواد الأعمال، ويسقطون في هوة الاحتراق النفسي أو الأمراض المزمنة، رغم أنهم يبدون ظاهرياً في قمة الصلابة، والسيطرة، والنجاح المادي؟

رجل أعمال يجلس متوترًا واضعًا يديه على رأسه بينما يظهر خلفه ظل يرمز للمشاعر المكبوتة والضغط النفسي
رجل أعمال يجلس متوترًا واضعًا يديه على رأسه بينما يظهر خلفه ظل يرمز للمشاعر المكبوتة والضغط النفسي

تخيل معي للحظة أنك تقود سيارة رياضية فارهة وباهظة الثمن على طريق سريع، منطلقاً بسرعة قصوى نحو هدفك.

 وفجأة، أضاء مؤشر الزيت أو الحرارة في لوحة القيادة باللون الأحمر الوامض والمزعج.

 بدلاً من التوقف العاقل للفحص والصيانة، قررت بدافع العجلة والغرور أن تتجاهل المؤشر تماماً، بل وقمت بلصق شريط لاصق أسود فوقه لتخفيه عن عينك وتكمل رحلتك وكأن شيئاً لم يكن.

 هل اختفت المشكلة بوضع الشريط؟

 بالطبع لا، بل تفاقمت بصمت وشراسة تحت الغطاء حتى انفجر المحرك وتوقفت الرحلة تماماً وبشكل كارثي.

هذا السيناريو الميكانيكي هو بالضبط، وبدون مبالغة، ما نفعله بأنفسنا وأجسادنا وعقولنا عندما نتجاهل مشاعرنا ونكبتها بحجة  الاحترافية، أو  القوة ، أو  عدم وجود وقت للدراما .

 نحن نغطي مؤشرات الإنذار الداخلية ونستمر في القيادة حتى الانهيار.

الحقيقة المرة والعميقة التي يغفل عنها الكثيرون في بيئات العمل التنافسية والمجتمعات التي تمجد الإنجاز المادي، هي أن المشاعر ليست مجرد  ضوضاء  ثانوية أو  ضعف  يجب التخلص منه وإسكاته، بل هي  بيانات  حيوية واستراتيجية تخبرك بحالة نظامك الداخلي ومدى توافقك مع بيئتك.

 عندما تتجاهل القلق، أو الغضب، أو الحزن، أو الإحباط، أنت لا تمحوها من الوجود، بل تدفعها بقوة إلى العمق (اللاوعي والجسد) لتتحول من  عاطفة عابرة  وطبيعية إلى  توتر مزمن  وسموم كيميائية تأكل جسدك من الداخل وتنهش تركيزك العقلي.

 المشكلة الكبرى التي يواجهها القارئ الذكي اليوم ليست في وجود المشاعر السلبية (فهي جزء من التجربة البشرية)، بل في استراتيجية التعامل معها التي تعتمد غالباً على الإنكار، والتأجيل، والقمع، مما يراكم ما نسميه  الديون النفسية  التي واجباً السداد بعواقب متزايدة جداً.

في هذا الدليل المتعمق، والتحليلي، والشامل، لن نتحدث بلغة التنظير النفسي الأكاديمي المعقد، بل سنشرح لك بلغة المال والأعمال والاقتصاد كيف تعمل  اقتصاديات المشاعر .

 سنكشف لك الآلية البيولوجية الدقيقة التي تحول الكبت النفسي إلى أمراض عضوية وخسائر مالية فادحة، ونرسم لك خارطة طريق عملية وذكية لتحويل مشاعرك من عبء يثقلك ويعطلك، إلى وقود وموجه يدفعك نحو النجاح، بأسلوب يجمع بين الحكمة النفسية العميقة والذكاء العملي التطبيقي، لنضمن لك النجاح المستدام والمتوازن، وليس فقط النجاح اللحظي الهش.

ميكانيكا الكبت.

لماذا لا تموت  المدفونة؟ (البيولوجيا الحيوية للشعور)

لفهم خطورة تجاهل المشاعر على المستوى العميق، يجب أن ندرك أولاً حقيقة علمية غائبة: المشاعر ليست مجرد  أفكار مجردة  تدور في الرأس، بل هي  تفاعلات كيميائية وفيزيائية  معقدة تحدث في كامل الجسد.

 كل شعور له بصمة بيولوجية.
عندما تشعر بـ  الغضب  مثلاً، يفرز جسدك هرمونات الأدرينالين والنورأدرينالين، وتتشنج عضلاتك استعداداً للقتال، ويرتفع ضغط دمك لضخ الأكسجين، وتتسارع دقات قلبك.

 هذه  طاقة حركية  هائلة تولدت لغرض بيولوجي محدد وهو الدفاع عن النفس أو تغيير الواقع.

عندما تقرر  كبت  هذا الغضب في اجتماع عمل والابتسام ببرود مصطنع، فأنت تمنع هذه الشحنة الفسيولوجية لا تختفي بمجرد الإنكار، بل تحتاج لتفريغ صحي (كالحركة/التنفس/الكتابة).

 أين تذهب إذن؟ إنها  ترتد  للداخل، مهاجمةً أعضاءك الداخلية (المعدة، القولون، القلب) وجهازك العصبي، مسببة التهابات مزمنة وتوتراً عضلياً دائماً.

السد والنهر

الفرق الجوهري بين  التحكم في المشاع و كبت المشاعر هو كالفرق بين توجيه مجرى نهر قوي للاستفادة منه، وبين بناء سد صامت أمامه دون منافذ.

اقرأ ايضا: لماذا تشعرين بالإرهاق رغم أنك لا تتوقفين عن العطاء؟

 التحكم يعني أن تعترف بالشعور، تفهمه، وتوجهه بطريقة بناءة.

 بينما الكبت يعني أن تنكره، وتحبسه، وتتظاهر بعدم وجوده.
الدراسات الحديثة في علم النفس العصبي تشير إلى أن الجهد العقلي  المبذول في عملية  التظاهر بأن كل شيء على ما يرام  ومراقبة الذات المستمرة، يستهلك كمية هائلة من الجلوكوز والأكسجين في قشرة الدماغ الأمامية، مما يترك وقوداً قليلاً جداً لمهام العمل الحقيقية والحيوية مثل التركيز، والإبداع، وحل المشكلات، واتخاذ القرار.

 الكبت يجعل عقلك يعمل بنصف طاقته.

ضبابية القرار.

كيف يعميك التوتر الكامن عن الفرص والمخاطر؟

في عالم المال والاستثمار،  الوضوح الذهني  هو سيد الموقف، وهو الأصل الأغلى.

 لكي تتخذ قراراً استثمارياً صائباً، أو تدير تفاوضاً ناجحاً ومعقداً، تحتاج إلى أن تكون  القشرة المخية الأمامية  (مركز المنطق والتحليل) تعمل بكامل طاقتها وكفاءتها.

 لكن عندما يكون عقلك الباطن مشغولاً ومستنزفاً في عملية  قمع المشاعر السلبية  وإبقائها تحت السيطرة في الخلفية، فإنه يدخل في حالة  استنزاف الموارد .

 التوتر الكامن يشوش على إشارات الحدس الذكية، ويجعل رؤيتك للأمور ضبابية، ومشوهة، ومنحازة.

القرارات الانفعالية المتأخرة

الشخص الذي يكبت مشاعره يعاني غالباً مما نسميه  القرارات الانفعالية المتأخرة .

 لأنه لم يعالج مشاعر القلق أو الغضب الصغيرة أولاً بأول، فإنها تتراكم لتصبح كتلة ضخمة وضاغطة من الخوف غير المبرر أو الغضب الكامن.
فجأة، وبدون سبب ظاهري مقنع، تجده:

يرفض صفقة رابحة جداً وآمنة لأسباب واهية، فقط لأن  مزاج العام  لديه متوتر.

أو يبيع أسهمه في قاع السوق بخسارة فادحة لأنه لم يعد يحتمل الضغط النفسي الكامن، ويريد  الخلاص  بأي ثمن.

أو يستقيل من وظيفته الجيدة في لحظة غضب عابر، مدمراً مساره المهني.
هو يظن في تلك اللحظة أنه يتصرف بحكمة وحسم، لكنه في الواقع يهرب من الألم النفسي المتراكم داخله، وقراره هو رد فعل للكبت وليس للواقع.

قصة  سلوى .

عندما حجبت المشاعر الحقيقة

قصة  سلوى ، رائدة أعمال شابة، توضح هذا الأثر بجلاء.

 كانت سلوى تشعر بعدم الارتياح العميق تجاه شريكها المحتمل الجديد في المشروع، شعور غامض في معدتها يخبرها أن هناك شيراً مريباً.

 لكنها تجاهلت هذا الشعور وكبتت شكوكها لأنها لم تكن تملك  دليلاً ملموساً  أو أوراقاً تدينه، وخافت أن تبدو  موسوسة  أو  غير مهنية  أمام المحامين.

 كبتت حدسها ومخاوفها ومضت في توقيع الشراكة بسرعة.
التوترالكامن ورغبتها في التخلص من القلق جعلها أقل انتباهاً وصراً للتفاصيل المالية والقانونية الدقيقة في العقود، لأنها كانت تريد  إنهاء الأمر  وتجاوز مرحلة الشك.

 النتيجة؟ الشريك استغل الثغرات التي غفلت عنها واستولى على حقوق الملكية الفكرية للمشروع بعد عام.

 لو أن سلوى توقفت للحظة، واعترفت بمشاعرها بصدق:  أنا خائفة وغير مرتاحة لهذا الشخص ، لكانت دققت أكثر، أو طلبت ضمانات إضافية، أو انسحبت في الوقت المناسب موفرة على نفسها خسارة فادحة.

الفحص العاطفي قبل التوقيع

النصيحة العملية: قبل أي قرار مالي، أو استثماري، أو مهني كبير، قم بإجراء  فحص عاطفي  سريع.

 اسأل نفسك:  ما هي حالتي الشعورية الآن؟

هل أنا جائع ؟

 غاضب (Angry)؟

وحيد (Lonely)؟

 متعب (Tired)؟ .
إذا كانت المشاعر عالية جداً أو سلبية، أجل القرار والرد لمدة 24 ساعة.

 القاعدة الذهبية في علم النفس المالي تقول:  لا تتخذ قرارات دائمة ومصيرية بناءً على مشاعر مؤقتة .

 وتذكر أن تجاهل المشاعر لا ينهيها، بل يجعل تأثيرها دائماً وخفياً ومدمراً.

التوتر المكبوت هو العدو الأول للذكاء المالي والعاطفي، لأنه يحولك من  مستثمر عقلاني  يرى الفرص، إلى  شخص خائف  يحاول النجاة فقط.

 وهذا ينقلنا للحديث عن الأدوات العملية التي تساعدك على تفريغ هذا التوتر بذكاء قبل أن ينفجر.

صمامات الأمان.

أدوات عملية لتفريغ الضغط قبل الانفجار (إدارة المشاعر)

إذا كان الكبت هو المشكلة والسبب في التدمير، فما هو الحل؟ هل الحل هو الانفجار في وجوه الناس، والبكاء الهستيري في قاعات الاجتماعات، وتحويل بيئة العمل لدراما؟

 بالطبع لا.

 الحل الذكي والناضج يكمن في بناء  صمامات أمان  وعادات يومية مقصودة تسمح بتسريب ضغط المشاعر بطريقة آمنة، وصحية، ومتحكم فيها، تماماً كما يفعل  قدر الضغط  (طنجرة الضغط) ليمنع الانفجار الكارثي ويطبخ الطعام بامتياز.

الكتابة الحرة: إخراج القمامة الذهنية

الأداة الأولى، والفعالة جداً، والرخيصة، هي  الكتابة الحرة  أو التدوين الصباحي/المسائي.

 هذه الأداة يستخدمها كبار الرؤساء التنفيذيين والمبدعين حول العالم للحفاظ على صفائهم الذهني.
الفكرة ببساطة هي أن تخصص 10-15 دقيقة كل صباح (أو قبل النوم) لتكتب كل ما يجول في خاطرك من مشاعر، ومخاوف، وشكوك، وأفكار عشوائية على الورق.

 اكتب بلا توقف، ولا تهتم بالنحو، ولا بالإملاء، ولا بترتيب الأفكار.

 الهدف ليس كتابة نص أدبي، بل الهدف هو  إخراج القمامة الذهنية  من داخل عقلك إلى الورق.

 عندما ترى مشاعرك مكتوبة ومجسدة أمامك، تصبح  شيراً خارجياً  يمكن التعامل معه وتحليله، بدلاً من أن تكون  وحشاً داخلياً غامضاً  ينهشك في الظلام.

 غالباً بعد الكتابة، ستكتشف أن المخاوف أقل رعباً مما كنت تظن.

الحركة الجسدية الواعية: الغسيل الكيميائي

الأداة الثانية هي  الحركة الجسدية .

 كما ذكرنا، المشاعر هي في الأصل طاقة حركية وهرمونات توتر تسبح في دمك.

 أفضل وأسرع طريقة لتحريرها هي الحركة.

 ممارسة الرياضة ليست فقط لبناء العضلات واللياقة، بل هي عملية  غسيل كيميائي  للدم من الكورتيزول والأدرينالين المتراكم.
المشي السريع لمدة 20 دقيقة، السباحة، الملاكمة، أو حتى تمارين التنفس العميق والبطيء، كلها وسائل فيزيائية لإخبار جسدك وجهازك العصبي أن  الخطر قد زال  وأنه يمكنه الاسترخاء والعودة لوضع التوازن.

 لا يمكنك الاسترخاء ذهنياً وجسدك مشحون بطاقة القتال.

 الحدود النفسية: حماية المساحة

الأداة الثالثة هي  تحديد الحدود النفسية والمهنية .

 كثير من التوتر والكبت يأتي من استباحة الآخرين (مدراء، عملاء، أهل) لمساحتنا الشعورية والزمنية.

 المدير الذي يتصل في منتصف الليل، أو العميل الذي يتوقع رداً فورياً في العطلة، أو الصديق الذي يفرغ شكواه السلبية عليك دائماً.

تجاهل انزعاجك من هذه التصرفات وكبت غضبك هو وصفة للكارثة.

 الحل هو رسم حدود واضحة بأسلوب مهني ولبق وحازم.

 أعتذر يا أستاذ فلان، أنا لا أراجع إيميلات العمل بعد السابعة مساءً للحفاظ على جودة أدائي وتركيزي في الصباح، سأرد عليك غداً أول شيء .

 هذا ليس وقاحة ولا تقصيراً، بل هو  حماية لأصولك الذهنية  واحترام لذاتك، وسيجبر الآخرين على احترامك أيضاً.

المنطقة الخالية

النصيحة العملية: أنشئ  منطقة خالية من الضغوط  في جدولك اليومي.

 قد تكون ساعة واحدة تقضيها في هواية تحبها (رسم، قراءة)، أو في الصلاة والذكر بخشوع، أو الجلوس مع العائلة بدون هواتف.

 في هذه الساعة، اسمح لنفسك بأن تكون  إنساناً  فقط، وليس مديراً، ولا موظفاً، ولا حلال مشاكل.

 هذا الفصل التام هو ما يعيد شحن بطاريتك العاطفية ويمنع الاحتراق.

تذكر أن القوة الحقيقية ليست في حمل الأثقال للأبد دون راحة، بل في معرفة متى وكيف تضعها لترتاح وتستعيد قوتك، وهذا ما يميز القادة المستدامين عن القادة المحترقين.

صورة تعبيرية لرجل أعمال يجلس على مكتبه وأمامه كومة من الأوراق، يمسك رأسه بيديه وملامحه تعبر عن الضغط الشديد، بينما خلفه ظل أسود كبير يمثل وحشاً يرمز للمشاعر المكبوتة التي تسيطر عليه]

وهم الصلابة.

أخطاء شائعة تدمر صحتك النفسية (المفاهيم المغلوطة)

في طريقنا للتعامل مع المشاعر وضغوط الحياة، نقع في فخاخ وأخطاء شائعة ناتجة عن برمجة مجتمعية وتربوية خاطئة.

 أكبر هذه الأخطاء وأخطرها هو الخلط الساذج بين  الصلابة النفسية  و التبلد الشعوري .

الصلابة: هي القدرة على المرونة، والامتصاص، والعودة للحالة الطبيعية بعد الأزمة، تماماً مثل الشجرة التي تنحني مع الريح العاتية ولا تنكسر، ثم تعود للاستقامة.

التبلد/الجمود: هو مثل الزجاج، صلب جداً وقاسٍ ظاهرياً، لكنه لا يملك أي مرونة، لذلك ينكسر ويتحطم ويتحول لشظايا عند أول ضربة قوية أو ضغط زائد.

 نحن نسعى لنكون أشجاراً مرنة، لا تماثيل زجاجية.

 تصنيف المشاعر: الجيد والسيء

الخطأ الأول هو  تصنيف المشاعر إلى جيدة وسيئة .

 تعلمنا منذ الصغر أن الفرح، والرضا، والحماس مشاعر  جيدة  ومقبولة، وأن الحزن، والخوف، والغضب مشاعر  سيئة  ومرفوضة.

 الحقيقة النفسية أن كل المشاعر  محايدة  ومفيدة وضرورية للبقاء.

الخوف ينبهك للخطر لتستعد.

الغضب ينبهك لانتهاك حقوقك أو حدودك لتدافع عنها.

الحزن يساعدك على استيعاب الخسارة وتجاوزها.
عندما تحكم على شعور بأنه  سيء  وتقمعه، أنت تقتل  ساعي البريد  الذي يحمل لك رسالة هامة جداً لنجاتك وتطورك.

الإدمان السلوكي: المخدرات العصرية

الخطأ الثاني هو  الإدمان السلوكي كوسيلة للهروب .

 عندما نتجاهل مشاعرنا ولا نريد مواجهتها، نبحث لا شعورياً عن مسكنات سريعة لتخدير الألم.

البعض يغرق نفسه في العمل المفرط ليتجنب التفكير والشعور والفراغ.

البعض يلجأ للأكل العاطفي (سكريات ودهون) للحصول على دوبامين سريع.

البعض يدمن التسوق القهري، أو الألعاب، أو إضاعة الساعات على وسائل التواصل الاجتماعي (التخدير الرقمي).
هذه كلها  ضمادات مؤقتة وسامة  لجرح عميق، وتكلفك مالاً، ووقتاً، وصحة، وتزيد الطين بلة دون أن تحل أصل المشكلة الشعورية.العزلة العاطفية: سجن انفرادي

الخطأ الثالث هو  العزلة العاطفية .

 يعتقد البعض (خاصة الرجال) أن مشاركة المخاوف والضعف هي عيب ونقص في الرجولة أو الكفاءة، فينعزلون في  كهف الصمت .

 الدراسات تؤكد أن العزلة تضخم التوتر، وتزيد من إفراز الكورتيزول، وترفع احتمالية الإصابة بالاكتئاب وأمراض القلب.

 مشاركة ما تمر به مع دائرة ثقة صغيرة جداً (زوجة متفهمة، صديق حكيم، مرشد، معالج) ليست شكوى ولا ضعفاً، بل هي استراتيجية تفريغ ذكية، وطلب للدعم والمشورة، وتوزيع للحمل النفسي.

قصة  طارق .

الإفلاس الصامت

قصة  طارق ، مستثمر شاب، كان يخسر المال في مضاربات عالية المخاطر، وأخفى الأمر ثم اندفع لقرارات متهورة لتعويض الخسارة سريعاً، حتى تراكمت الديون.

 ظل يبتسم في وجوههم ويمثل دور الناجح بينما النار تأكله من الداخل وتسرق نومه.

 هذا الكبت والضغط الهائل دفعه لاتخاذ قرارات متهورة وجنونية لتعويض الخسارة سراً وبسرعة (مقامرة)، مما أدى لإفلاسه التام وتراكم الديون.

 لو شاركهم مشاعره ومخاوفه في البداية، لربما وجدوا حلاً مشتركاً، أو دعموه نفسياً، أو أوقفوا النزيف مبكراً قبل الكارثة.

مراقبة آليات الهروب

النصيحة العملية: راقب بوعي  آليات الهروب  لديك.

 عندما تشعر بالضيق أو التوتر، ما هو أول شيء تفعله بشكل تلقائي؟

 هل تفتح الثلاجة؟

 هل تمسك الهاتف وتقلب بلا هدف؟

 هل تصرخ في وجه الأطفال؟

 الوعي بآلية الهروب هو نصف الحل.

 استبدل الآلية الضارة بآلية مفيدة (مثل المشي، الوضوء، الكتابة) تدريجياً حتى تصبح عادة.

الوعي بهذه الفخاخ يحميك من تحويل ألم عابر وطبيعي إلى معاناة دائمة ومدمرة.

 وهذا ينقلنا لكيفية قياس التقدم في رحلتك نحو التوازن النفسي والتعافي.

مؤشرات التعافي.

كيف تعرف أنك تخلصت من الدين النفسي؟ (علامات الصحة)

بعد أن تبدأ في تطبيق استراتيجيات الاعتراف، والتفريغ، ورسم الحدود، كيف تعرف أنك تسير في الطريق الصحيح؟ التعافي النفسي ليس  وجهة نهائية  تصل إليها وتتوقف، بل هو  مسار وممارسة مستمرة .

 هناك مؤشرات واضحة وملموسة تخبرك بأنك بدأت تسدد ديونك النفسية وتتحرر من ثقل الكبت.

جودة النوم

المؤشر الأول والأصدق هو  جودة النوم .

 النوم هو أول ضحية للتوتر المكبوت والأفكار المتزاحمة.

 عندما تبدأ في التعامل مع مشاعرك نهاراً وتفريغها، يتوقف عقلك عن اجترارها وتدويرها ليلاً.

 ستلاحظ أنك تنام أسرع، وأن نومك أصبح أعمق وأكثر ترميماً، وتستيقظ بطاقة أعلى وصفاء ذهني.

 هذا وحده مكسب صحي ومالي هائل، لأن النوم الجيد هو أساس الإنتاجية.

الاستجابة بدلاً من التفاعل

المؤشر الثاني هو القدرة على  الاستجابة الواعية .

 الشخص المكبوت يكون مثل القنبلة الموقوتة أو الزجاجة المضغوطة، ينفجر لأتفه الأسباب (تفاعل فوري وغير متناسب).

 الشخص المتوازن عاطفياً يمتلك  مساحة زمنية وشعورية  بين المثير والاستجابة.

 عندما يحدث خطأ في العمل أو استفزاز، لا تصرخ فوراً، بل تأخذ نفساً، وتقيم الموقف، وتفكر في الحل، ثم تتصرف بهدوء وحزم (استجابة).

 هذه القدرة على التحكم في رد الفعل هي السمة الأولى للقادة العظماء والأشخاص الناجحين.

عودة الشغف والوضوح

المؤشر الثالث هو  عودة الشغف والوضوح .

 التوتر المزمن والكبت يقتلان المتعة، والشغف، والألوان في الحياة.

 عندما ينزاح غمام الكبت الثقيل، ستجد أنك استعدت حماسك للعمل، وأنك تستمتع بالتفاصيل الصغيرة، وأن رؤيتك لمستقبلك أصبحت أوضح وأكثر تفاؤلاً.

 ستعود لك القدرة على الإبداع وحل المشكلات بطرق مبتكرة، لأن عقلك تحرر من وظيفة  حراسة المشاعر المكبوتة  (التي تستهلك طاقته) وتفرغ لوظيفة  الابتكار والنمو .

مقياس الطاقة

ختاماً لهذه النقطة، استخدم  مقياس الطاقة اليومي .

 قيم طاقتك النفسية والجسدية من 1 إلى 10 في نهاية كل أسبوع.

 إذا لاحظت أن المنحنى في تصاعد تدريجي، وأن أيام الإرهاق غير المبرر قد قلت، وأنك تنهي أسبوعك ببعض النشاط المتبقي لعطلة نهاية الأسبوع، فهذا دليل قاطع على نجاح استراتيجيتك وأنك تسير في طريق التعافي والازدهار.

في نهاية المطاف،رحلة التعامل مع المشاعر، وفهم الذات، وتفريغ التوتر ليست  رفاهية  للأثرياء أو الفلاسفة، بل هي  صيانة وقائية ضرورية  لكل إنسان يريد أن يعمر طويلاً، وينتج كثيراً، ويعيش سعيداً.

 جسدك هو المركبة الوحيدة التي تملكها في هذه الرحلة الطويلة، ومشاعرك هي  لوحة القيادة  ومؤشراتها التي تخبرك بحالة المركبة والطريق.

 تجاهل اللوحة وتغطيتها لن يوصلك أسرع، بل سيقودك حتماً للهاوية ولعطل لا يمكن إصلاحه.

أنت لست آلة صماء، ولست مطالباً بأن تكون حجراً لا يشعر لتنجح.

 قوتك الحقيقية تكمن في إنسانيتك، وفي قدرتك على احتواء مشاعرك، وفهم رسائلها، وتوجيهها بذكاء لخدمة أهدافك وقيمك العليا.

 المال يمكن تعويضه، والفرص تتكرر وتأتي غيرها، لكن الصحة النفسية والجسدية إذا ذهبت واستنزفت، قد لا تعود أبداً، ولا يشتريها مال قارون.

ابدأ اليوم، الآن، بتغيير بسيط وشجاع: كن صادقاً مع نفسك.

 عندما يسألك أحدهم  كيف حالك؟،

 وبينك وبين نفسك تشعر بالألم والضغط، لا تكذب على نفسك (حتى لو تجملت أمام الناس).

 اعترف بالألم بينك وبين ذاتك، احترمه، ثم ابحث عن طريقة صحية لتفريغه والتعامل معه.

اقرأ ايضا: حين تتعب روحك قبل جسدك… كيف يطلب منك التوقف؟

 هذه الصدقة مع النفس هي أول خطوة، وأهم خطوة، نحو الثراء الحقيقي.

ثراء الروح، والجسد، والمحفظة معاً. 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال