لماذا يرهقك عقلك حتى وأنت بلا مشكلة حقيقية؟
صحتك النفسية أولاً
في رأس كل منا غرفة عمليات لا تغلق أبوابها، ولا تطفأ أنوارها، ولا يُمنح موظفوها إجازة.
في هذه الغرفة، تدور السيناريوهات بسرعات تفوق سرعة الصوت، وتُعاد فيها حوارات قديمة لم تُحسم
منذ سنوات، وتُرسم فيها خرائط معقدة لمستقبل لم يطرق الباب بعد.
| التفكير الزائد وتأثيره على الصحة النفسية والهدوء الداخلي |
هذه الغرفة، التي صممها الخالق لتكون مقرًا للقيادة الرشيدة والتخطيط الحكيم، تتحول في لحظات التفكير الزائد إلى زنزانة ضيقة، جدرانها مبنية من القلق، وسقفها منخفض ومصنوع من التوقعات المستحيلة.
تجد نفسك جالسًا في مكان هادئ، وربما وسط أناس تحبهم ويحبونك، لكنك في الحقيقة غائب تمامًا عنهم، جسد بلا روح، وعينان مفتوحتان لا تريان ما أمامهما، لأنك غارق حتى أذنيك في دوامة لا تنتهي من ماذا لو و لماذا فعلت و كيف كان يجب أن أرد .
المشكلة الحقيقية في التفكير الزائد ليست في فعل التفكير بحد ذاته، فهو الميزة التي كرم الله بها الإنسان، بل المشكلة تكمن في الاجترار ، تلك العادة المنهكة التي تجعلنا نمضغ الأفكار نفسها مرارًا وتكرارًا دون أن نبتلعها أو نلفظها، حتى نصل إلى حالة من الشلل الذهني والعاطفي التام.
هذا المقال الطويل والمفصل ليس دعوة ساذجة لإيقاف التفكير، فهذا ضرب من المستحيل،
بل هو محاولة جادة لرسم مسار واضح للخروج من متاهة الأفكار المكررة، وتحويل الطاقة الذهنية الهائلة والمهدرة إلى طاقة بناءة تخدم حياتك وترفع جودتها بدلًا من أن تستهلكها وتدمرها ببطء.
الوهم الكبير: خرافة أن القلق هو درع الحماية
أول وأخطر فخ نقع فيه، والذي يشكل حجر الزاوية الصلب في بناء عادة التفكير الزائد، هو ذلك الاعتقاد الراسخ والخاطئ بأن الاستمرار في تقليب المشكلة في رؤوسنا هو الطريق الوحيد والأمثل لحلها.
نحن نخدع أنفسنا، بوعي أو بدونه، بأن هذا القلق المستمر هو نوع من المسؤولية العالية ودليل
على الاهتمام البالغ وجدية الشخصية.
نرى في الشخص الذي ينام قرير العين وسط الأزمات شخصًا متبلدًا، بينما نعتبر أرقنا وسام شرف ودليل يقظة.
والحقيقة المرة هي أن هذا الاجترار الفكري هو دوران عبثي في حلقة مفرغة، يشبه دوران العجلة
في الوحل؛ كلما زادت السرعة، زاد الغوص إلى الأسفل دون أي تقدم للأمام.
الدماغ البشري، في محاولته البدائية والتطورية لحمايتنا من المخاطر والمجهول، يمارس علينا خدعة ذكية؛ فهو يوهمنا بأننا إذا فكرنا في كل سيناريو كارثي محتمل، وحسبنا حساب كل شاردة وواردة، واستحضرنا
كل الاحتمالات السوداء، سنكون مستعدين لمواجهة القدر حين يطرق الباب.
لكن الواقع المرير والتجارب الحياتية المتكررة تثبت أن التفكير الزائد لا يمنع حدوث الكوارث إن كانت مقدرة، ولا يخفف من وطأتها حين تقع، بل هو يفعل شيئًا واحدًا فقط: يمنعنا بشكل فعال وقاسٍ من الاستمتاع باللحظات الآمنة والهادئة التي نعيشها الآن.
إنه لص محترف ووقح، يسرق الفرح الحالي والنعم الموجودة كضريبة باهظة تُدفع مقدمًا لمستقبل
قد لايأتي أبدًا بشكله المخيف الذي رسمناه في خيالنا.
تخيل معي مشهدًا دقيقًا لشخص يقود سيارته في طريق جبلي وعر يغطيه ضباب كثيف.
التفكير السليم والمسؤول يقتضي منه إجراءات محددة: تخفيف السرعة، إشعال مصابيح الضباب، الإمساك بالمقود بثبات، والتركيز الكامل على الأمتار القليلة التي يكشفها الضوء أمامه.
هذا هو الحذر الواعي .
أما التفكير الزائد، فيجعله يترك مقود الانتباه للحاضر، وتبدأ عيناه في التحديق في الفراغ الأبيض، بينما عقله ينسج سيناريو لحادث مروع قد يقع عند المنعطف القادم الذي لا يراه، ويتذكر فجأة حادثًا قديمًا وقع له قبل عشر سنوات ويستعيد مشاعر الألم والخوف، ثم يقفز تفكيره ليحسب تكاليف إصلاح السيارة التي لم تصدم بعد، ويتخيل ردة فعل عائلته وبكاء أطفاله لو مات اليوم.
النتيجة الحتمية لهذا التشتت الذهني؟ توتر عضلي شديد يؤدي لتصلب ردود فعله، تشوش في الرؤية الذهنية والواقعية، وزيادة حقيقية وخطيرة في احتمالية وقوع الحادث الفعلي، لا بسبب الطريق، بل بسبب غياب السائق عن الآن وهنا .
التوجيه العملي في هذه المرحلة يتطلب حزمًا ووضوحًا مع النفس: يجب التمييز الصارم والدقيق بين التفكير المنتج و التفكير القلق .
التفكير المنتج هو خط مستقيم يبدأ بمشكلة وينتهي بخطوة عمل ملموسة (قرار، خطة، استشارة).
أما التفكير القلق فهو دائرة مغلقة تدور حول ماذا لو دون إجابة.
عندما تداهمك فكرة ملحة وتسيطر عليك، توقف واسأل نفسك بصدق وشجاعة: هل هناك شيء عملي، ولو صغير، يمكنني فعله الآن، في هذه اللحظة، لحل هذه المشكلة؟ .
إذا كانت الإجابة نعم ، فتحول فورًا إلى الفعل؛ ارفع السماعة، اكتب الرسالة، ابدأ العمل، وأنهِ التفكير بالفعل.
أما إذا كانت الإجابة لا أو لست متأكدًا أو الأمر ليس بيدي ، فأنت قد دخلت رسميًا منطقة الخطر المسماة التفكير الزائد ، ويجب عليك إعلان حالة الطوارئ لإيقاف هذا النزيف الذهني فورًا، لأنك في هذه الحالة لاتحل المشكلة، بل تصنع مشكلة جديدة اسمها الإنهاك النفسي .
إدراك هذا الفرق الدقيق هو الخطوة الأولى والحاسمة نحو التحرر، فالتفكير المنتج ينتهي بقرار يريح العقل، بينما التفكير الزائد لا ينتهي أبدًا، بل يتوالد ويتشعب كخلايا سرطانية تلتهم مساحة الهدوء والسكينة
في عقلك.
جذور الشجرة: لماذا ينمو التفكير الزائد في عقولنا؟
التفكير الزائد ليس عشبة شيطانية تظهر فجأة في حديقة عقولنا بلا جذور أو أسباب، بل هو نبتة سامة تغذيها تربة خصبة وعميقة من الخوف من الفقد ، و الرغبة المرضية في السيطرة ، و السعي نحو الكمال المستحيل.
نحن نفرط في التفكير لأننا، ببساطة، لا نتحمل فكرة عدم اليقين .
نريد ضمانات موثقة بأن قراراتنا صحيحة 100%، وأن المستقبل سيكون آمنًا ومشرقًا، وأن الناس لن يسيئوا فهمنا مهما قلنا أو فعلنا.
وبما أن طبيعة الحياة الدنيا هي التقلب وعدم اليقين، ومليئة بالمفاجآت السارة وغير السارة، فإن عقلنا يدخل في حالة طوارئ دائمة ومستنزفة، محاولًا سد ثغرات المجهول بسيناريوهات متخيلة ومفصلة، ظنًا منه أنه بذلك يسيطر على الواقع.
لنأخذ مثالًا شائعًا من الحياة المهنية: موظف مجتهد يرسل بريدًا إلكترونيًا مهمًا لمديره ولا يتلقى ردًا فوريًا.
الشخص المتزن نفسيًا قد يفكر ببساطة أن المدير مشغول في اجتماع أو لم يقرأ البريد بعد.
أما الشخص المصاب بداء التفكير الزائد، فيبدأ فورًا في نسج قصة درامية كاملة الأركان: المدير غاضب مني بالتأكيد، ربما أخطأت في صياغة جملة ما، أو ربما سمع وشاية عني، سيبدأون في التضييق عليّ، سيفصلونني قريبًا، كيف سأدفع إيجار منزلي؟ وكيف سأواجه عائلتي؟ .
جذور هذه القصة المتشعبة ليست في تأخر الرد (الحدث الواقعي)، بل في شعور عميق وقديم بعدم الأمان الوظيفي، وحاجة طفولية للقبول والتقدير الدائم.
اقثرأ ايضا: متى يصبح التوقف هو القرار الأذكى لعقلك؟
التوجيه العملي هنا هو الغوص نحو الجذور: ابحث عن الجذر الشعوري للفكرة المقلقة.
بدلًا من الانخراط في مناقشة الفكرة نفسها (هل المدير غاضب أم لا؟)، عالج الشعور الكامن خلفها (لماذا أنا خائف جدًا من الرفض؟ لماذا أربط قيمتي برضا المدير؟).
تهدئة الشعور واحتواؤه غالباً ما تذيب الفكرة تلقائيًا وتجعلها تتلاشى كدخان في الهواء.
فهم الجذور يساعدنا على عدم الانجراف مع الفروع المتشابكة.
حين تدرك أن تفكيرك الزائد هو مجرد آلية دفاعية مبالغ فيها وقديمة تحاول حمايتك من ألم متخيل، يمكنك أن تتعاطف مع نفسك بدلًا من لومها، ثم تبدأ في طمأنة هذا الجزء الخائف بداخلك بطرق أكثر صحية وواقعية ومنطقية.
تفكيك الحلقة: تقنيات عملية لكسر نمط الاجترار
الخروج من دوامة التفكير الزائد ليس أمرًا يحدث بالصدفة أو بالنية الطيبة وحدها، بل يتطلب تدخلًا واعيًا ومباشرًا وتقنيات محددة، لأن العقل المعتاد على القلق لن يتوقف من تلقاء نفسه طالما وجد وقودًا يغذيه.
إحدى أقوى التقنيات وأكثرها فاعلية هي تحديد وقت للقلق .
نعم، قد يبدو الأمر غريبًا، لكن خصص وقتًا يوميًا (مثلاً 20 دقيقة في الخامسة مساءً) لتسمح لنفسك فيه بالتفكير والقلق والبكاء والشكوى كما تشاء.
حين تأتيك فكرة مقلقة في العاشرة صباحًا وأنت في قمة انشغالك، قل لها بحزم: أنا أسمعك،
ولكن ليس الآن.
موعدنا في الخامسة مساءً .
ستفاجأ بأن معظم الأفكار، حين يأتي موعدها المؤجل، تكون قد فقدت حدتها وأهميتها، وما يتبقى منها يمكنك التعامل معه بتركيز وهدوء في الوقت المخصص، بدل أن تلوث يومك كله.
تقنية أخرى فعالة جدًا هي الكتابة التفريغية أو ما يسمى بـ صفحات الصباح .
الأفكار في الرأس تبدو ضخمة، وحشية، ومخيفة لأنها غير محددة وتدور بسرعة هائلة وتتداخل مع بعضها.
عندما تمسك القلم وتكتبها على الورق، أنت تجبرها على التباطؤ، وتفكك تشابكها، وتفقدها جزءًا كبيرًا
من غموضها وسيطرتها.
الورقة لا تحكم عليك، وتسمح لك برؤية الفكرة من الخارج كشيء منفصل عنك.
التوجيه العملي: عندما تشعر أن رأسك سينفجر من الزحام، لا تحاول النوم أو الاسترخاء فورًا، بل أمسك ورقة وقلمًا واكتب كل ما يدور في ذهنك دون توقف، ودون اهتمام بالخط أو الإملاء أو التنسيق.
بمجرد أن تخرج الفكرة من رأسك إلى الورقة، ستشعر بخفة فورية، وكأنك أنزلت حملًا ثقيلًا من صخور الجرانيت من على كتفيك.
أيضًا، هناك حيلة لغوية بسيطة لكنها تغير قواعد اللعبة تمامًا: استبدال سؤال لماذا بسؤال كيف .
سؤال لماذا حدث هذا لي؟ أو لماذا أنا هكذا؟ يغرقك في الماضي، والندم، ودور الضحية العاجزة.
أما سؤال كيف أتعامل مع هذا الوضع الآن؟ أو كيف يمكنني تحسين الأمر؟ فينقلك فورًا إلى المستقبل، والحل، والمسؤولية.
هذا التغيير اللغوي البسيط يعيد توجيه طاقة الدماغ من التحليل العقيم والاجترار المؤلم، إلى الإبداع العملي والبحث عن مخارج.
الجسد كمرساة: العودة إلى هنا والآن
التفكير الزائد هو في جوهره غياب عن الحاضر .
إنه يأخذنا دائمًا في رحلة قسرية عبر آلة الزمن، إما إلى ماضي نندم عليه ونجتر أحزانه، أو مستقبل نخاف منه ونتوقع كوارثه.
المكان الوحيد والآمن الذي يتوقف فيه التفكير الزائد هو اللحظة الحالية ، والجسد هو بوابتنا الوحيدة والمباشرة لهذه اللحظة.
لا يمكنك فيزيائيًا أن تفكر في مشاكل الغد بينما تركز كل حواسك بصدق على تذوق طعم القهوة الآن، أو على الإحساس بملامسة قدميك لبرودة الأرض، أو بمراقبة تنفسك.
استخدام الحواس الخمس هو أسرع وأنجع طريقة لقطع حبل الأفكار والعودة إلى أرض الواقع.
تخيل أنك في اجتماع عمل، وبدأت دوامة التفكير في كلام المدير تأخذك بعيدًا.
بدلًا من الغرق ومحاولة محاربة الأفكار بأفكار أخرى، ركز انتباهك فورًا على شيء مادي وملموس: ملمس القلم المعدني في يدك، برودة سطح الطاولة الخشبي، صوت المكيف الهادئ في الخلفية.
هذا التركيز الحسي يسحب الطاقة العصبية من مراكز التفكير والتحليل في الدماغ (التي تعمل بطاقة قصوى وتسبب السخونة)، ويعيد توزيعها على مراكز الإحساس والمراقبة.
التوجيه العملي: مارس تمرين 5-4-3-2-1 الشهير عند هجوم الأفكار: لاحظ 5 أشياء تراها بعينك لون الجدار، شكل اللوحة.
أشياء تلمسها بجسدك ملابسك، الكرسي.
أشياء تسمعها بأذنك صوت سيارة، زقزقة عصفور.
شيئين تشمهما بأنفك، وشيئًا واحدًا تتذوقه بلسانك.
هذا التمرين يجبر عقلك على الهبوط الاضطراري والآمن في مدرج الحاضر.
الرياضة والحركة الجسدية ليست مجرد رفاهية أو وسيلة لتجميل القوام، بل هي ضرورة بيولوجية ونفسية للمفرطين في التفكير.
الجهد البدني المكثف يحرق هرمونات التوتر (مثل الكورتيزول) التي تغذي القلق، ويفرز هرمونات السعادة (مثل الإندورفين) التي تحسن المزاج وتهدئ العقل.
عندما تجري بأقصى سرعتك، أو ترفع أوزانًا ثقيلة، أو تمشي بخطوات سريعة، يصعب على عقلك الاستمرار
في نسج القصص المعقدة والمتشابكة.
الحركة تكسر الجمود الذهني، وتعيد تدفق الدم والأكسجين إلى الدماغ، مما يمنحك منظورًا جديدًا وأكثر وضوحًا وهدوءًا للأمور التي كانت تبدو معقدة ومستحيلة وأنت جالس على الأريكة في سكونك الخادع.
القبول الجذري: السلام يأتي من الاستسلام لا من الانتصار
وبعد تجربة كل التقنيات، نكتشف أن المعركة مع التفكير الزائد لا تُحسم بالضربة القاضية، ولا بمحاولة إسكات العقل بالقوة.
محاولة إيقاف الأفكار قسرًا تؤدي غالبًا إلى ما يسمى بـ تأثير الارتداد ، حيث تعود الأفكار المكبوتة بقوة وشراسة أكبر.
الحل الأعمق والأكثر استدامة يكمن في القبول الجذري ؛ القبول الشجاع بأننا لا نسيطر على كل شيء في هذا الكون، وأن الأخطاء والزلاّت هي جزء أصيل من بشريتنا، وأن الحياة ستمضي بنا وبدون قلقنا، وأن المقادير ستجري كما كُتبت.
القبول هنا لا يعني الضعف أو الاستسلام السلبي، بل يعني التوقف عن السباحة المنهكة ضد تيار الحياة القوي، والسماح للنهر بأن يحملك إلى وجهتك بسلام.
لنتأمل فكرة ترك الأمور على عواهنها بوعي وحكمة.
هذا يعني أن تفعل كل ما بيدك من أسباب، وتخطط وتجتهد، ثم ترفع يدك عن النتيجة تمامًا وتوكلها لخالق الأسباب.
مثل المزارع الذكي الذي يحرث الأرض، ويبذر البذور الجيدة، ويسقيها بانتظام، ثم يترك الباقي للشمس والمطر وطبيعة التربة.
لو قضى المزارع ليله يفكر بقلق: هل ستنبت البذرة؟ ماذا لو تأخر المطر يومًا؟ ماذا لو أكلتها الطيور؟ ، لن يغير ذلك من الواقع شيئًا، ولن يسرع إنبات الزرع، بل سيصاب بالأرق والمرض ولن يقوى على العمل في اليوم التالي.
التوجيه العملي: تدرب على قول عبارة سحرية ومريحة: لست أدري، وسأتعامل مع الأمر حين يحدث .
هذه العبارة البسيطة تحرر كميات هائلة من الطاقة النفسية المحبوسة في محاولة التنبؤ والسيطرة المستحيلة.
في نهاية المطاف، الوصول إلى حالة السلام الداخلي يتطلب إيمانًا عميقًا بأننا نملك القوة والمرونة للتعامل مع ما سيأتي، مهما كان شكله.
التفكير الزائد هو في جوهره عدم ثقة في النفس ، وتشكيك خفي في قدرتنا على التكيف مع المستجدات.
حين نبني ثقتنا في مرونتنا النفسية، وفي قدرتنا على النهوض بعد السقوط، وفي أننا تجاوزنا ما هو أصعب في الماضي، يقل احتياجنا المرضي للتفكير المسبق في كل تفصيلة صغيرة، ونصبح أكثر استعدادًا وشجاعة لعيش الحياة بمغامراتها وتقلباتها بقلب مفتوح وعقل هادئ مطمئن.
وبينما تغلق باب غرفتك الليلة، وتتصارع الأفكار لتسرق نومك، تذكر حقيقة وجودية كبرى: أنت لست أفكارك.
أنت الوعي الذي يراقب هذه الأفكار.
أنت السماء الزرقاء الصافية والواسعة، والأفكار هي الغيوم العابرة بأشكالها وألوانها المختلفة.
قد تتلبد الغيوم وتظلم الدنيا وتبرق وترعد، لكن السماء تبقى مكانها، عالية، ثابتة، لا تتأثر ولا تتغير ولا تبتل.
اقرأ ايضا: لماذا تسرق المقارنات اليومية هدوءك دون أن تنتبه؟
عد إلى سمائك، ودع الغيوم تمر بسلام، فهي حتمًا ستمر كما مر غيرها، ولن يبقى في النهاية إلا صفاء روحك واتساع أفقك، ويقينك بأن كل ما يحدث هو لخير، وإن خفيت حكمته الآن.